الشيخ محمد الصادقي الطهراني
409
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فسائر الحروب الفاتحة لم تكن تحمل منها إلا يسيراً قصيراً ، وإنما فتح مكة هو الذي حمل كل هذه المواصفات لقبيل الإيمان . وهنا « غيظ قلوبهم » في إذهابه رحمة عليهم خروجاً لقلوبهم عن التغيظ التشيق بما أصيبوا من مكائد الكفار ، فهي رحمة صالحة لهم ، وهناك غيظ آخر في ذهابه رحمة عليهم وعلى الآخرين الذين يجب كظم الغيظ عنهم لكونهم مؤمنين ، وهذا مجال قول النبي صلى الله عليه وآله : « وما من جرعة يتجرعها الإنسان أعظم أجراً عند اللَّه من جرعة غيظ في اللَّه » . « 1 » والقصد من جرعة الغيظ هنا الصبر عند الإهتياج ، واللظم عند الإنزعاج ، وترك اتباع نوازع النفس إلى ما تدعوا إليه في تلك الحال من شفاء غيظ ، أو تنفيس كرب ، وإطلاق عقال ، أو فعل مراقبة اللَّه سبحانه تنجزاً ، واحتجازاً عن عقابه ، فشبه صلى الله عليه وآله تلك الحال بالجرعة ، كأن الإنسان بالكظم لها والصبر عليها قد ضاق بها مرارة ، وأساغ منها حرارة . « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » « 2 » « أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون » « 3 » « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراءُ وزلزلوا حتى يقول الرسولُ والذين آمنوا متى نصر اللَّه ألا إن نصر اللَّه قريب » « 4 » « أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين » . « 5 » « أم حسبتم أن تتركوا » لحاكم دونما ابتلاء وامتحان وتمحيص « ولمّا يعلم اللَّه الذين جاهدوا منكم » عَلْماً وعلامة بواقع الجهاد الذي هو علامة النجاح ، كما أن تركه علامة
--> ( 1 ) . المجازات النبوية للسيد الشريف الرضي ( 96 ) ( 2 ) . 9 : 16 ( 3 ) . 23 : 115 ( 4 ) . 2 : 214 ( 5 ) . 3 : 14